القرطبي
183
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقال الحسين بن الفضل : سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي عن قول الله عز وجل : " وخر راكعا " فهل يقال للراكع خر ؟ . قلت : لا . قال : فما معنى الآية ؟ قلت : معناها فخر بعد أن كان راكعا أي سجد . الموفية عشرين - وأختلف في سجدة داود هل هي من عزائم السجود المأمور به في القرآن أم لا ؟ فروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر : " ص والقرآن ذي الذكر " فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه ، فلما كان يوم آخر قرأ بها فتشزن ( 1 ) الناس للسجود ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود " ونزل وسجد . وهذا لفظ أبي داود . وفي البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال : " ص " ليست من عزائم القرآن ، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها . وقد روي من طريق عن أبن مسعود أنه قال : " ص " توبة نبي ولا يسجد فيها ، وعن ابن عباس أنها توبة نبي ونبيكم ممن أمر أن يقتدى به . قال ابن العربي : والذي عندي أنها ليست موضع سجود ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها فسجدنا بالاقتداء به . ومعنى السجود أن داود سجد خاضعا لربه ، معترفا بذنبه . تائبا من خطيئته ، فإذا سجد أحد فيها فليسجد بهذه النية ، فلعل الله أن يغفر له بحرمة داود الذي اتبعه ، وسواء قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا ؟ فإن هذا أمر مشروع في كل أمة لكل أحد . والله أعلم . الحادية والعشرون - قال ابن خويزمنداد : قوله : " وخر راكعا وأناب " فيه دلالة على ، أن السجود للشكر مفردا لا يجوز ، لأنه ذكر معه الركوع ، وإنما الذي يجوز أن يأتي بركعتين شكرا فأما سجدة مفردة فلا ، وذلك أن البشارات كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده ، فلم ينقل عن أحد منهم أنه سجد شكرا ، ولو كان ذلك مفعولا لهم لنقل نقلا متظاهرا لحاجة العامة إلى جوازه وكونه قربة .
--> ( 1 ) التشزن التأهب والتهيؤ للشئ .